مشهد العراق السياسي ..ماذا بعد انسحاب السيد الصدر ؟

19/06/2022
132

عادل الجبوري

 لاشك ان تقديم اعضاء الكتلة الصدرية في مجلس النواب العراقي، البالغ عددهم ثلاثة وسبعين نائبا استقالاتهم على ضوء توجيه زعيم التيار السيد مقتدى الصدر، يعدّ تحولا مهما في مسارات الحراك السياسي القائم في الساحة العراقية طيلة الشهور الثمانية المنصرمة، التي اعقبت الانتخابات البرلمانية  المبكرة في العاشر من شهر تشرين الاول-اكتوبر الماضي. 

   هذا التحول المهم يرتبط في جانب منه بالثقل العددي الاكبر الذي يمثله التيار الصدري في مجلس النواب، مقارنة بالكتل والكيانات الاخرى، وفي جانب اخر منه يرتبط بالثقل السياسي والجماهيري للتيار وزعيمه في مجمل العملية السياسية، سواء كان مشاركا فيها وطرفا في الحكومة، او معارضا ومقاطعا اياها.

  انسحاب التيار الصدري من السلطة التشريعية العليا، وتعويض الاعضاء المستقيلين بأكبر الخاسرين في كل دائرة انتخابية، يعني فيما يعنيه تبدل خارطة البرلمان وتغير في حجوم بعض الكتل، وتحديدا الشيعية منها، وطبيعي ان ذلك يستتبع انبثاق تحالفات واصطفافات جديدة، ربما تمهد الطريق لبلورة الكتلة البرلمانية الاكبر، التي يقع على عاتقها تسمية رئيس الوزراء، وبالتالي كسر الجمود وانهاء حالة الانسداد السياسي. وتذهب المؤشرات الاولية الى ان قوى الاطار التنسيقي مع بعض او اغلب المستقلين سيشكلون ويعلنون الكتلة البرلمانية الاكبر، هذا اذا لم تحدث مفاجات على مسرح الاحداث، وقد راح البعض يلمح الى ذلك، ويبني عليه تحليلاته ورؤاه للمرحلة المقبلة.

   التحول الاخر المهم نتيجة انسحاب التيار الصدري، هو اختلال موقعية ومحورية التحالف الثلاثي(انقاذ وطن) المؤلف من التيار الصدري(73 نائبا)، وتحالف السيادة بشقيه الحلبوسي والخنجر المكون من حوالي (60 مقعدا)، والحزب الديمقراطي الكردستاني الحائز على (31 مقعدا).

   وبينما كان الطرفان الكردي والسني، يسعيان بقوة الى تأمين اغلبية الثلثين لتمرير مرشحهم الكردي لرئاسة الجمهورية، ومن ثم تسمية مرشح الصدر لرئاسة الوزراء، واذا بكل الحسابات تختل والاوراق تختلط بأنسحاب التيار، واعلان السيد الصدر بأن حلفائه في تحالف انقاذ وطن في حلّ منه، ولهم اتخاذ ما يرونه مناسبا من قرارات. 

   ولعل الارتباك الاكبر سيكون في دائرة الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي كان يامل من خلال التحالف الثلاثي وما يمكن ان يضمه من المستقلين، بتمرير مرشحه لرئاسة الجمهورية، وزير الداخلية الحالي في الحكومة المحلية لاقليم كردستان ريبر احمد البارزاني، وبأنسحاب الصدريين، ربما تكون امال الديمقراطي بالاستحواذ على رئاسة الجمهورية من قبضة غريمه الاتحاد الوطني الكردستاني قد تبددت بصورة كاملة او شبه كاملة، لاسيما في ظل تحالف واصطفاف الاخير مع الاطار التنسيقي.

   وقد لاتكون وطأة الانسحاب الصدري على المكون السني، متمثلا بتحالف الحلبوسي والخنجر، بنفس القدر على المكون الكردي، متمثلا بالحزب الديمقراطي الكردستاني، لان الاول يرى ان حصته في اي تشكيلة حكومية قادمة ستكون مضمونة، فضلا عن انه حصل منذ البداية على رئاسة البرلمان، علما ان هذا الموقع يبدو مهددا وعرضة لرياح التغيير، فيما اذا اعيد ترتيب الاوراق من جديد.

  التحول الاخر، الذي يدخل في باب الفرضيات والاحتمالات، هو امكانبة الاتجاه نحو حل البرلمان والذهاب الى انتخابات برلمانية مبكرة اخرى، ولاشك انه في حال تبنى السيد الصدر وتياره هذا الخيار، فأن طريقه سيكون سالكا، لعدة اسباب، من بينها تجاوز المدد الدستورية لاختيار رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة، وتأييد قوى سياسية ونخب ثقافية ومجتمعية هذا الخيار، وتزايد الضغوط الجماهيرية المطالبة بالاصلاحات ومعالجة الكمّ الكبير من المشاكل والازمات الاقتصادية والحياتية العامة.

   مثل ذلك التوجه، يعني ان التيار الصدري سيعوض او يستبدل حضوره وتأثيره السياسي تحت قبة البرلمان وفي المحافل والاوساط السياسية المعنية بصنع القرارات وتحديد المسارات، بحراك جماهيري واسع يكون بمثابة معارضة شعبية قادرة على فرض خياراتها واولوياتها. وما يؤكد ذلك، هو انه اوعز الى اعضاء الكتلة الصدرية بالاستقالة، بدلا من المعارضة السياسية-البرلمانية،  ولعل هذا ما يدفع قوى الاطار التنسيقي ومعها اخرين الى السعي والتحرك الجاد لابقاء الصدر في دائرة الحراك  السياسي من خلال دوره في اختيار رئيس الوزراء والكابينة الوزارية المقبلة، وما يتعلق بمجمل القضايا والملفات الاستراتيجية. 

   قد تبدو مهمة ارضاء الصدر وابقائه في دائرة الحراك السياسي الفاعل، امر صعب الى حد كبير، لانه على مدار سبعة شهور تقريبا، رفض رفضا قاطعا الصيغة التوافقية في تشكيل الحكومة، واصر على تشكيل حكومة اغلبية وطنية، وبعد ان وجد ان كل الطرق موصدة امامه، اقدم على الانسحاب.

ورغم  ان قرار التيار الصدري، اربك عموم المشهد السياسي العام، وافرح البعض، واقلق البعض الاخر، وفرض خيارات مختلفة، الا انه لن يكون الفصل الاخير في سيناريو تشكيل الحكومة، ولن يكون بالضرورة بداية  لنهاية الانسداد السياسي في البلاد، بيد ان ما هو مؤكد- او شبه مؤكد-ان خيار التصادم والاقتتال الداخلي يبدو مستبعدا وبعيدا الى حد كبير، لان الاوضاع والظروف والمؤثرات الخارجية التي اوجدت وغذت بعضا من ادوات ووسائل الصراع والاقتتال الداخلي في اوقات سابقة، تغيرت كثيرا، وهي اما لم تعد فاعلة او انها اختفت وتلاشت، دون ان يعني ذلك، عدم استمرار سعي بعض السفارات والمراكز والدوائر السياسية الداخلية والخارجية الى استغلال الحراك السياسي او حراك الشارع، وتوظيفه بما يخدم مصالحها ويساعد في تنفيذ اجنداتها، لكن من الصعب بمكان-ان لم يكن من المستحيل-ان يكتب لها النجاح بعدما منيت بالفشل الذريع مرات عديدة على امتداد تسعة عشر عاما، حفلت بمختلف عناوين الارهاب والمؤامرات والمشاريع التدميرية واجندات الفتن والخراب والتخريب.

التصنيفات : مقالات