حين يكون المواطن مداناً وإن ثبتت براءته

20/02/2022
540

بقلم هوشيار زيباري

هوشيار زيباري

وُجِدَ القضاءُ منذ سالف العصر، ليكون ملاذ الافراد وموئلهم، اليه يركن المظلومون وفي ظلاله يحتمي المغبونون حين تسلب حقوقهم ويُفترى عليهم، ولقد أوكلت مختلف نظم الحكم على اختلاف انواعها الى مؤسسة القضاء مهمة الفصل في النزاعات والبت فيها، واسندت اليها واجب انصاف المواطنين ورد المظالم اليهم وجعلت للقضاء الكلمة العليا والقول الفصل، فلا رادَّ لحكمه ولا معقِب على قراراته، ولم يكن العراق استثناءً، فلقد جعل دستور 2005 للسلطة القضائية ما ليس لسواها من السلطات، وضمن الدستور لهذه المؤسسة من الضمانات ما تنأى به عن معترك السياسة وضغط الساسة وجعل لقرارات القضاء البات عموماً وقرارات المحكمة الاتحادية العليا خصوصاً قوة تسمو بها على ما عداها من مؤسسات الدولة، بل الزم كافة السلطات في الدولة بأحكام هذه المحكمة المؤتمنة على حقوق وحريات الافراد وما ترك من سبيل لنقض قراراتها او الطعن بها حيث انها باتة ملزمة للكافة.

ولعل مردَّ ذلك ما افترضه الدستور فيها من حياد مطلق عن توجهات الخصوم ونأي تامٍّ بالنفس عن أي مقصد عدا إنفاذ حكم الدستور وإرساء اسسه في زمن أراد له واضعو الدستور ان يكون زمن الحقوق والحريات وفيه تسمو مبادئ الديمقراطية والعدالة والانصاف بعد عقود طويلة من الظلم والقهر.

لكن لم يطل العهد بالعراق الجديد حتى قيل الكثير عن مزاجية تنتاب القضاء الاتحادي وميل نحو هذا الطرف او ذاك لا سيما الطرف المتغلِب في العديد من القرارات التي أصدرها، ولا يطول الوقت بالباحث المنصف حتى يقِرَّ ان العديد من القرارات وُضِعت كما يشتهي الكبار وكما يريد المؤثرون الفاعلون، لكنه تحليل على استحياء وتقويم حَذِر على أساس ان من يعلو صوته بالتشكي مما في بعض القرارات من ظلم بين سرعان ما يلاحَق بتهمة ازدراء القضاء والنيل من سمعته، فما على المظلوم والحالة هذه الا ان يكظم غيظه ويصبر ويحتسب حتى وان كان يشغل ارفع منصب تنفيذي في الدولة، ولعل تغريدة السيد (حيدر العبادي) الشهيرة يوماً حين كتب: اين تشتكي حبة القمح اذا كان القاضي دجاجة مما يغنينا عن مزيد من التفصيل.

ولا يخفى ان مجلس النواب قد سحب الثقة عنا يوماً، وهو قرار سياسي بلا ريب، ودليل كونه سياسياً ان الجهة التي أصدرته سياسية بامتياز ولا يكون لما تصدره من قرارات أي حصانة، كما ان دليل كونه سياسياً، ان قضاء النزاهة قد برأ ساحتنا من جميع ما اتهمنا به مجلس النواب من تهم، كما قررت وزارة الخارجية أن تم استيازرنا فيهما وزارة العدل كجهة مستقلة محايدة انها لا تطلب بحقنا أي شكوى وزارة المالية لعدم ثبوت تقصيرنا في القيام باي واجب من واجباتنا، ولولا ان يطول المقام بالقارئ لكنا قد اوردنا تلك القرارات التي برأت ساحتنا بما تحمله من ارقام وتواريخ، لكنها جميعاً معروفة لتلك الجهات ومعروفة كذلك للمحكمة الاتحادية العليا التي توسمنا فيها ان تكون جهة منصفة ستركن الى ما استقر عليه قضاء النزاهة من حكم وعلى عدم طلب الشكوى بحقنا من أي وزارة تم استيزارنا فيها او حتى من الجهات الأخرى المحايدة التي دخلت على خط التحقيق المستقل.

لكن اليوم العبوس الذي أصدرت فيه المحكمة قرارها العجيب لتحكم بعدم دستورية ترشيحنا لتولي منصب رئيس جمهورية العراق، قد شهد اغرب استنادٍّ واعجب استدلال، فلقد تعكزت المحكمة الاتحادية العليا على قرار مجلس النواب بسحب الثقة عنا كسبب لحرماننا من المشاركة في سباق الترشح لمنصب رئيس الجمهورية، وثارت حين ذلك امامنا عشرات الأسئلة التي لا يعلم تأويلها الا الراسخون في الخفايا والرابضون خلف الكواليس، اليس القضاء الاتحادي عالماً ان قرار سحب الثقة على فرض صوابه لا يرتب اثرًا وفقاً للدستور غير اعتبار الوزير مستقيلاً؟ اليس القضاء الاتحادي ملزماً بان يصدر احكامه وفقاً لنصوص الدستور لا وفقاً لقرارات سلطة أخرى لا تتصف قراراتها بالبتات ولا تمثل باي حال من الأحوال قرارات نهائية؟ الا تعرف المحكمة حقاً ان كل القضايا التي اتهمنا بها بعض المسيسين في مجلس النواب قد اثبت القضاء وأثبتت التحقيقات اننا بريئون منها كبراءة بعض القضاة من الانصاف والحياد؟، وهل يصلح ان يكون قرار البرلمان الذي اثبت القضاء وأثبتت التحقيقات عدم صوابه فيما استند اليه سنداً للحرمان من حقوق المواطنين وحرياتهم في المشاركة العادلة في شؤون السياسة والحكم؟ وهل صدقاً أوردت المحكمة في حكمها ان القرار البرلماني المذكور يسيء الى سمعتنا وحسن سيرتنا رغم انه ليس نصاً في الدستور وليس حكماً باتاً يصلح ان يكون سنداً لمثل هذا الظلم؟.

 

 

 

 

 

التصنيفات : مقالات