إرهاب داخل الجدران.. “ايرث نيوز” تفتح ملف العنف ضد الاطفال

05/06/2022
565

ايرث نيوز/

تتوالى حالات العنف ضد الاطفال، لتشكل مصدر قلق كبير من تفاقم هذه الظاهرة الآخذة بالازدياد يوما بعد آخر، في ظل أزمات عديدة أخرى تحيط بالطفل العراقي على مستوى التعليم والعمالة وغيرها، وهذا الى جانب انتشار مقاطع تعنيف الاطفال دون حذفها من مواقع التواصل الاجتماعي، ما يشكل أزمة مضاعفة تطارد الطفل حتى بعد سنوات، وفي خضم هذه الأزمات المتعددة يبقى الدور الرسمي مقتصرا على الندوات واتخاذ الاجراءات عند تحول أي حالة لقضية رأي عام.

 

تتناول وكالة “ايرث نيوز” هذا الملف المهدد للطفل العراقي من جوانبه المتعددة، لتفتح الابواب على أساس هذه الظاهرة وسبل معالجتها، والأليات المتاحة في العراق لايقافها.

 

البداية من الدوافع النفسية لهذا الفعل، إذ يقول الباحث الاجتماعي احمد الذهبي في حديث لوكالة “ايرث نيوز”، بان “العنف المنزلي نطلق عليه الارهاب الذي يختفي خلف جدران المنازل، وهذا الارهاب ربما يؤدي الى تدمير عوائل، ولاحظنا في هذه الايام اب يقتل ابنه وزوجة تقتل زوجها والكثير من عمليات العنف المنزلي او العنف الاسري”.

 

ويكمل حديثه “يجب علينا ان ندق ناقوس الخطر بعدما وجدنا هكذا حالات، فكيف يتجرأ شخص ان يقتل ولده او يقتل زوجته، لذلك العنف المنزلي او العنف الاسري هو الارهاب، ويجب علينا ايجاد حلول وبحث الاسباب التي دفعت الناس لهكذا امور، فهل اصبح المجتمع معاق ومشوه نفسيا، هل اصبح المجتمع يحتاج الى مصحة نفسية، نعم هناك الكثير من الاضطرابات النفسية والخلل النفسي والتشوه النفسي والاعاقة النفسية التي دفعت الكثير من الاشخاص الى ان يمارسوا العنف الاسري او العنف المنزلي، فهذه اضطرابات سلوكية”.

 

ويكشف أن “الطفل اذا يعنف داخل اسرته فما تكون نتائجه، هل عندما يكبر ستكون لديه شخصية، بالطبع لا، ستكون شخصيته محطمة على  المستوى النفسي ولديه خلل، فهو لن يستطيع ان يواجه مجتمع، وبدوره سيمارس العنف ضد ابناء المجتمع ايضا”.

 

ويوضح أن “العراق لا توجد فيه مراكز للتأهيل او مراكز ارشاد نفسي ضد هذا العنف، رغم ان الشرطة المجتمعية تعمل جادة، ولكن نلاحظ غياب ذوي الاختصاص مثلا المختص بعلم النفس وعلم الاجتماع، واقترح ان يكون في كل منطقة وفي كل محلة مختص في علم النفس، وان تعرض هواتفه على اهل هذه المحلة وان يقدم لهم الاستشارات النفسية من خلال الاتصال او الحضور للمنازل التي يكون فيها عنف، من اجل احتواء المشكلة”، متابعا “نلاحظ بأن مؤسسات الدولة ما تزال عاجزة ولا تقدم لأبناء المجمتع الذي ينزف أي شيء، فهذا العنف تمزقت بسببه الكثير من القيم والعادات”.

 

وتنتشر بشكل مستمر مقاطع فيديو لتعنيف اباء لاطفالهم، ودائما ما يتم تعلن وزارة الداخلية عن اتخاذ الاجراءات بحقهم، لكن العنف ضد الاطفال مستمر بل وتيرته ترتفع باستمرار، وخلال الايام الماضية ظهر اكثر من فيديو لأب يعذب طفله، فيما تقوم امرأة بالتصوير.

 

وكانت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونسيف”، قد حذرت أواخر العام الماضي من تبعات العنف المتمادي ضد الأطفال العراقيين، والذي يبلغ مستويات خطيرة، حيث ذكرت المنظمة في تقاريرها أن 4 من بين كل 5 أطفال بالعراق، يتعرضون للعنف والضرب، مؤكدة انه ما من شيء يبرر العنف ضد طفل صغير، كما أن هذه الظاهرة لا بد من منعها ووقفها.

 

والى جانب العنف ضد الاطفال، يشهد البلد تسرب الاطفال من المدارس وبنسبة وصفت بـ”المخيفة”، حيث تجاوزت الـ25% في عام 2019، وفقا لمجلس النواب، وهذا الى جانب عمالة الاطفال، التي بلغت وفقا لمنظمة حقوق الانسان نحو 800 ألف طفل عامل في العراق.

 

التشريع والتنفيذ

مدير حماية الأسرة والطفل في وزارة الداخلية العميد علي محمد سالم، يوضح لوكالة “ايرث نيوز”، أن “المديرية تأسست عام 2009، ولها 16 قسما اثنان منها في بغداد، والبقية في اغلب المحافظات، وهي تعنى بالعنف ضد الاطفال والنساء والرجال، وبكافة انواع العنف”.

 

ويتابع أن “العنف الاسري، هو عنف جسدي وجنسي ولفظي وفكري واقتصادي، وحتى الكتروني، إذ لوحظ انه منذ جائحة كورونا ولغاية الان ارتفاع كبير بنسب العنف الاسري، وهذا الارتفاع  طبيعي يحصل في أي مجتمع”، مبينا “بالنسبة للاطفال صراحة هناك حالات قليلة لا نلاحظها الا في مواقع التواصل الاجتماعي، ولدينا حالات ترد الى اقسامنا في بغداد والمحافظات بحالات الاعتداء على الاطفال فيقومون ذويهم بتقديم الشكوى او عن طريق الخط الساخن، وغالبا ما يكون المخبر من الأقارب او الجيران”.

 

وبشأن دور الوزارة، يؤكد سالم أن “دور وزارة الداخلية هو حماية هؤلاء الاطفال وتقديم المساعدة لهم ومعالجتهم وتدوين اقوالهم ومعرفة سبب العنف وتنفيذ امر القبض بحق مرتكب هذا العنف واحالته الى المحكمة، والحفاظ على هؤلاء الضحايا الذين هم الاطفال بارسالهم الى دور الدولة التابعة الى وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، إذ توجد 3 دور في بغداد بالاضافة الى المحافظات”.

 

ويشير إلى أن “اجراءات وزارة الداخلية للتصدي لهذا العنف، تمثلت بالعديد من حملات التوعية مع وحدات العلاقة والاعلام في وكالة الوزارة لشؤون الشرطة مع منظمات المجتمع المدني الاتحاد الاوروبي وايضا مع الامم المتحدة لحقوق الانسان يونامي، الى جانب العديد من الدورات والورش، ولدينا جداول احصائية خاصة داخل هذه المديرية هي شعبة الاحصاء الجنائي نحدد نسبة ارتفاع وانخفاض معدلات مستوى الجريمة ليس فقط ضد الاطفال وانما حتى ضد النساء ولكافة اشكال العنف، ومن ثم نقوم بتحليلها ومعرفة سبب هذا العنف هل هو اقتصادي ام جسدي ام لفظي ام تفكك اسري او حالة نفسية، وفي اي منطقة وفي اي محافظة وفي اي شريحة ترتفع النسب”.

 

يذكر أن هيئة رعاية الطفولة، أعلنت في شهر نيسان الماضي، عن وفاة الطفلة زينب التي تعرضت الى التعنيف من قبل والدها، حيث ضربها في حينها بـ”توثية” ما أدى الى تهشيم رأسها ولم تنجح محاولات الاطباء بإنقاذ حياتها.

 

وبالانتقال الى الجانب التشريعي، مجلس النواب، فأن عضو لجنة المرأة والاسرة والطفولة النيابية ابتسام الهلالي، أكد لوكالة “ايرث نيوز”، أن “اللجنة سنعمل خلال الفترة المقبلة على استضافة الشخصيات الحكومية المسؤولة في وزارة الداخلية وغيرها من المؤسسات بهدف مناقشة قضية ارتفاع حالات تعنيف الأطفال في العراق، خصوصاً هناك ارتفاع ملحوظ بهذا الامر الخطير خلال الفترة الماضية”.

 

وأشارت إلى أن “لجنة المرأة والاسرة والطفولة سوف تعمل على إقامة الكثير من المؤتمرات الخاصة بتعنيف الأطفال من أجل التثقف ضد هذه الظاهرة الدخيلة على المجتمع العراقي، وبيان عقوبة مرتكبي التعنيف من قبل ذوي الأطفال”، مضيفة “هناك توجه برلماني يهدف الى تشديد العقوبات بحق كل من يرتكب العنف ضد الأطفال، للحد من هذه الظاهرة التي بدأت تنشر بشكل خطير وكبير في المجتمع، كما ان هناك حالات كثيرة لا تنشر ولا يتم اتخاذ أي شيء قانوني بحق مرتكبي تعنيف الأطفال”.

 

وختمت عضو لجنة المرأة والاسرة والطفولة البرلمانية حديثها بأن “بعض مقاطع الفيديو التي تنتشر بشأن تعنيف بعض الأطفال تكون بهدف كشف حالة التعنيف لإنقاذ هؤلاء الأطفال من التعنيف والبعض يصور وينشرها مع الأسف بهدف التباهي بهكذا اعمال مع شديد الأسف”.

 

دوافع التصوير

رافق العنف ضد الاطفال، بظاهرة اخرى، وهي تصوير حالة الضرب او التعذيب للطفل من قبل امرأة، وفي احيان تكون صامتة واحيان اخرى تؤيد الاب على ضربه للطفل، ومقاطع الفيديو هذه لم تبقى حبيسة الهواتف بل تنتقل سريعا لوسائل التواصل الاجتماعي وتأخذ طريقها نحو “التريند” وتشك قضية رأي عام بشكل سريع.

 

وحول اسباب هذه الظاهرة، يبين الباحث الاجتماعي سيف المعموري لوكالة “ايرث نيوز”، أن “غالبية مقاطع الفيديو التي تصور لتعنيف الأطفال في المدن العراقية، تكون من قبل المرأة بمعنى من قبل الام او الأخت او حتى العمة، وغالبية هذه المقاطع تصور وتنشر بهدف انقاذ هذا الطفل من التعنيف الذي يمارس بحقه من قبل ابيه، فدائما النساء لا يستطعن إيقاف الرجال عن هكذا اعمال، ولهذا يكون الفيديو اسهل طريقة للمرأة لإنقاذ الطفل من التعنيف عند نشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي مع إعطاء معلومات عن تفاصيل الحالة من عنوان وغيرها”.

 

وتابع أن “كل الحالات التعنيف ضد الأطفال التي نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، تفاعلت معها الجهات الحكومية المختصة، واتخذت إجراءات بحق الرجل الذي يعنف الطفل، وهذا ما دفع الى النساء الى تصوير أي حالة تعنيف ضد الأطفال، خصوصاً ان غالبية حالات التعنيف تكون رافضة لها المرأة سواء كانت الام أو الأخت”.

 

وأشار إلى انه “يتطلب من جميع الذين نشروا فيديو تعنيف أي طفل حذفه من كافة مواقع التواصل الاجتماعي بعد انقاذ الطفل، فلا يجوز بقاء هذا الفيديو على المواقع، فهذا يؤثر بشكل كبير على نفسية هذا الطفل، خصوصاً ان هناك مقاطع منشورة منذ سنين ومازالت موجودة دون حذفها، فهذا الامر يتطلب جهدا من الذين نشروا المقاطع إضافة الى جهد من قبل الجهات المختصة لحذف هذه المقاطع من خلال عمليات التبليغ او غيرها”.

 

وما تزال فيديوات التعنيف للاطفال التي نشرت في الاعوام الماضية، متوفرة في مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، رغم إغلاق القضايا وإنقاذ الطفل او اتخاذ الاجراءات بحق من عنفه.

 

قانونيا، فكان الخبير القانوني علي التميمي أوضح عقوبة الأب الذي يعذب ابنه، وجاءت وفقا للمادة 413 من قانون العقوبات العراقي، فهي الحبس لمدة سنة والغرامة أو بإحدى العقوبتين على الإيذاء أو أحداث المرض، وتشدد هذه العقوبة اذا كان الجاني من أصول المجني عليه، وتشدد وتصل إلى الحبس 3 سنوات اذا استخدمت أدوات أو مواد ضارة للايذاء.

 

ووفقا للتميمي، فانه “إذا نشأ عن الفعل عاهه مستديمة أو جنون أو قطع من أحد الحواس فإن العقوبة تصل الى السجن 15 عاما وفقا للمادة 412 من قانون العقوبات العراقي”، مؤكدا أن “تعذيب هولاء الصغار الذين تقل أعمارهم عن 15 عاما، سيؤدي إلى تحطيم شخصياتهم نفسيا وضياعهم في الحياة كما يقول علم النفس، لان بلورة الشخصية تتكون في هذا العمر”.

 

غياب القانون

الى ذلك، يبين عضو مفوضية حقوق الانسان السابق فاضل الغراوي لوكالة “ايرث نيوز”، أن “ظاهرة العنف الاسري من الظواهر الخطرة على المجتمعات والتي بدأت تتنامى بالفترة الاخيرة بشكل مخيف جدا، وتنوعت هذه الظاهرة باستخدام صور بشعة، واستخدمت فيها ادوات بحالات التعذيب”.

 

ويلفت إلى أن “بعض حالات التعذيب اصبحت ممنهجة، سواء التي تتعرض لها الاسرة او الطفل، فهذه الظاهرة خطرة تنوعت بين ظاهرة الضرب المبرح وكذلك الحرق والخنق، اضافة الى موضوع التنمر والنعت بصور بشعة للاطفال، مما ادى الى اصابة العديد من الاطفال بجروح وكذلك بحالات نفسية”.

 

ويؤكد “لغاية الان رغم ما يحدث بالعراق ومايحصل من هذا العنف الكبير تجاه الاطفال، لم يشرع للان قانون حماية الطفل الذي قد يكون عاملا مساعدا في الحد والوقاية من العنف ضد الاطفال، رغم انضمام العراق لاتفاقية حقوق الطفل، إلا ان العراق لم يستطع لحد الان ان يقوم بالتزامه القانوني بتقديم تشريعات واصدار هذا القانون، اضافة الى ان الاجراءات الحكومية لم تحد لغاية الان من هذه الظاهرة”.

 

وكانت مؤشرات ضبط سلوك الطفل لمفوضية حقوق الإنسان عام 2018 قد أظهرت اتجاه الأسر إلى ضبط سلوك الأطفال من خلال معاقبتهم عندما يسيئون التصرف ليتسنى لهم تنشئتهم بطريقة ملائمة، حيث يتعرض 30.8% بالمئة منهم للعنف الجسدي الشديد عند الذكور أكثر من الاناث بينما يتعرض 58.4%، إلى أي عقاب جسدي و78.6% من الأطفال يتعرضون للعنف النفسي العدائي، وبصورة عامة فإن 80.9% من الأطفال بعمر (1-14) سنة يتعرضون لأي طريقة ضبط سلوك عنيفة، 11.5% منهم يتعرضون لأي طريقة ضبط سلوك غير عنيفة.